أحمد بن محمد القسطلاني

79

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

الخمس عليهم وفعلوها ( فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ) في أموالهم ( تؤخذ من أغنيائهم ) يأخذها الإمام أو نائبه ( فترد على فقرائهم ) خصهم بالذكر وإن كان مستحق الزكاة أصنافًا أخر لمقابلة الأغنياء ولأن الفقراء هم الأغلب ، والضمير في فقرائهم يعود على أهل اليمن فلا يجوز النقل لغير فقراء أهل بلد الزكاة كما سبق أول الزكاة ، ( فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم ) أي نفائس ( أموالهم ) بنصب كرائم بفعل مضمر لا يجوز إظهاره للقرينة الدالة عليه . وقال ابن قتيبة : لا يجوز حذف واو وكرائم اه - . وعلل بأنها حرف عطف فيختل الكلام بالحذف . ( واتق دعوة المظلوم ) ، أي تجنب جميع أنواع الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم وإنما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم للإشارة إلى أن أخذها ظلم ( فإنه ليس بينه ) أي المظنوم ، ولأبي ذر عن الكشميهني والأصيلي : فإنها ليس بينها أي دعوة المظلوم ( وبين الله حجاب ) وإن كان المظلوم عاصيًا لحديث أحمد عن أبي هريرة بإسناد حسن مرفوعًا : دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه وليس لله حجاب يحجبه عن خلقه . فإن قلت : إن بعث معاذ كان بعد فرض الصوم والحج فلم لم يذكرهما ؟ أجيب : بأنه اختصار من بعض الرواة ، وقيل : إن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولذا كررا في القرآن فمن ثم لم يذكرهما في هذا الحديث . وقال الإمام البلقيني : إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منها بشيء كحديث ابن عمر : بني الإسلام على خمس فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفي بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج لقوله تعالى : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ } [ التوبة : 5 ] في ، موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا ، والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة : اعتقادي وهو الشهادة ، وبدني وهو الصلاة ، وماليّ وهو الزكاة فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها ، فإن الصوم بدني محض والحج بدني ومالي . وهذا الحديث قد مرّ في أول باب وجوب الزكاة . 64 - باب صَلاَةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ ، وَقَوْلِهِ { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } [ التوبة : 103 ] ( باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة ) كأن يقول : آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت ونحو ذلك ، والمراد من الصلاة معناها اللغوي وهو الدعاء ، وعطف الدعاء على الصلاة ليبين أن لفظ الصلاة ليس بحتم بل غيره من الدعاء ينزل منزلته قاله ابن المنير ، ويؤيده ما في حديث وائل بن حجر عند النسائي أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في رجل بعث بناقة حسناء في الزكاة : " اللهم بارك فيه وفي إبله " ( وقوله ) تعالى بالجر عطفًا على المجرور السابق : ( { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } ) من الذنوب ( { وتزكيهم بها } ) وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين ( { وصل عليهم } ) أي ادع لهم . رواه ابن أبي حاتم وغيره بإسناد صحيح عن السدي ( { إن صلواتك } ) وفي بعض الأصول إن صلاتك بالإفراد كقراءة حمزة والكسائي وحفص ( { سكن لهم } ) [ التوبة : 2 - 3 ] تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم وجمعها لتعدد المدعو لهم ، ولأبي ذر : ( تطهرهم ) إلى قوله : { سكن لهم } . 1497 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلاَنٍ . فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى " . [ الحديث 1497 - أطرافه في : 4166 ، 6332 ، 6359 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا حفص بن عمر ) بضم العين الحوضي قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن عمرو ) بفتح العين وسكون الميم ابن مرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله بن طارق الكوفي التابعي الصغير ( عن عبد الله بن أبي أوفى ) بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الفاء مقصورًا اسمه علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين ، وفي المغازي عند المؤلّف سمعت ابن أبي أوفى - رضي الله عنهما - ( قال : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أتاه قوم بصدقتهم ) أي بزكاة أموالهم ( قال ) : ( اللهم صل على فلان ) أي اغفر له وارحمه ، ولغير أبي ذر : على آل فلان يريد أبا أوفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشيء كما قال عليه الصلاة والسلام عن أبي موسى الأشعري : " لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود " يريد داود نفسه ( فأتاه أبي ) أبو أوفى ( بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفى ) امتثالاً لقوله تعالى : { وصل عليها } وهذا من خصائصه